ابن خلدون
423
تاريخ ابن خلدون
لولده محمد فاستخلف بها كاتبه محمد بن أبي القاسم بن أبي العيون من صنائع الدولة كما ذكرناه وهلك أحمد بن مكي سنة ست وستين على تفيئة مهلك الحاجب بن تافراكين بالحضرة فكأنهما ضربا موعدا للهلكة توافياه وتخلف ابنه عبد الرحمن بطرابلس في كفالة مولاه ظافر العلج وهلك ظافر اثر مهلكه فاستبد عبد الرحمن بطرابلس وساءت سيرته فيها إلى أن نازله أبو بكر بن محمد بن ثابت في أسطوله كما نذكر سنة ثنتين وسبعين وأجلب عليه بالبرابرة والعرب من أهل الوطن فاستنقض عليه أهل البلد وثاروا به وبادر أبو بكر بن ثابت لاقتحامها عليه وأسلموه إلى أمير من أمراء ذئاب فأجاره إلى أن أبلغه مأمنه من محلة قومه وإيالة عمه عبد الملك بقابس إلى أن هلك سنة تسع وسبعين ولم يزل عبد الملك لهذا العهد وهو سنة احدى وثمانين واليا على عمله بقابس وابنه يحيى مستبد بوزارته وحافده عبد الوهاب لابنه مكي رديف له وقد تراجعت أحوالهم عما كانت وخرجت من أيديهم الاعمال التي كانت في عمالته لعهد أخيه أحمد مثل طرابلس وجزيرة جربة وصفاقس وما إلى ذلك من العمالات حتى كان التخت انما كان لأخيه واليمن انما استقر لجنابه وسيرتهما جميعا من العدالة وتحرى مذاهب الخير والسمت والاتسام بسمات أهل الدين حملة الفقه معروفة حتى كان كل واحد منهم انما يدعى بالفقيه علما بين أهل عصره حرصا على الانغماس في مذاهب الخير وطرقه وكان لأحمد حظ من الأدب وكان يغرس من الشعر فيجيد عفا الله عنه وله في الترسيل حظ ووساع بلاغة وينحو في كتابه منحى أهل المشرق في أوضاع حروفهم وأشكال رسومهم ولأخيه عبد الملك حظ من ذلك شارك به جهابذة أهل عصره ولما انتظم السلطان أبو العباس أمصار إفريقية في ملكه واستبد بالدعوة الحفصية على قومه داخل أهل الجريد منه الروع وفزعوا إليه للمعارضة في الامتناع فداخلهم في ذلك وأشاروا إلى صاحب تلمسان بالترغيب في إفريقية فعجز عنهم وألحوا عليه فخام عن العداوة وزحف مولانا السلطان خلال ذلك إلى الجريد فملك قفصة وتوزر ونفطة فبادر ابن مكي إلى التلبس للاستقامة وبعث إليه بالطاعة ثم رجع السلطان إلى الحضرة فرجع هو عن المصدوقة وأتاهم أهل البلد بالحيل إلى السلطان فتقبض بعضهم ومر آخرون وانتقض عليه بنو أحمد أهل ضواحيه من ذئاب فنازلوه وبعثوا إلى الأمير الأكبر بقفصة في العسكر لمنازلته فبعث إليهم وأحاطوا به ثم انتهر الفرصة ودخل بعض العرب من بنى على في تبييت المعسكر وبذل لهم في ذلك المال فبيتوه وانفض وبلغ الخبر إلى السلطان فخرج من حضرته سنة احدى وثمانين ونزل القيروان وتوافت الفئتان وبعث رسله للاعذار بين يديه فردهم ابن مكي بالطاعة